عبد المنعم الحفني
1245
موسوعة القرآن العظيم
الباب التاسع في أسباب نزول آيات القرآن الآيات في القرآن بعضها ليس له سبب خاص مرتبط به في نزوله ، وبعضها له أسبابه . والمراجع في أسباب النزول كثيرة أفردها مشايخ أجلاء بعلم خاص ، سمّوه « علم أسباب النزول » ، ومن هؤلاء البخاري ، والمديني ، والواحدي ، والجعبرى ، وابن حجر ، والسيوطي ، وكثيرون غيرهم . وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم توجّه إليه الكثير من الأسئلة ، كما كانت تقع أحداث تتصل بالدعوة وسيرها ، وأحوال المسلمين والتشريع لهم ، وكانت تشكل وقتها أسبابا للنزول ، وعن ذلك تتنزل الآيات في أعقابها ، أو تتأخر لفترة من الفترات . ومن أسباب النزول قد يحيط المسلم بالحكمة من الآية ، وما بها من أحكام ، فيزداد اقتناعه ، ويتلاشى شكه ، ويترسّخ إيمانه . وتلقى الأسباب أضواء على الآية ، فيزداد الفهم لما تتضمنه . والمثل على ذلك أن عروة بن الزبير لما قرأ الآية : إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ( 158 ) ( البقرة ) ، تحصّلت له القناعة أنه لا جناح على من لا يطوّف بهما ، فصحّحت له خالته أم المؤمنين عائشة فهمه : أنه لا جناح على من يطّوف بهما - وهما اللذان كان يطوّف بهما الكفار في الجاهلية ، فهذا هو الذي لا جناح فيه ، وأمّا الطواف بهما فهو فرض في الإسلام ، وروت له عمّا كان في الجاهلية وعمّا فعله الإسلام ، وتحرّج المسلمين أن يطّوفوا بهما فكان نزول الآية لتزيل هذا الحرج ، وتفرض هذا الطواف ، ولولا أن عائشة روت له عن الأسباب ما كان قد فهم ، ولسلك في الحج على مقدار فهمه هذا المنقوص . ثم إن الإحاطة بأسباب الأحكام - كحكم الظهار ، لا يجعلها قاصرة على أصحاب الحكم وحدهم ، وهما هنا خولة وزوجها أوس بن الصامت . وأحيانا لا يخرج حكم الآية عن سبب النزول ، وفي معرفة شخوص الواقعة أو الحكم رفع للظلم عن آخرين قد يتهمون عن غير حق ، وفعلت ذلك عائشة لما اتّهم مروان أخاها عبد الرحمن ، أنه الذي نزلت فيه الآية : وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 17 ) ( الأحقاف ) ، فردّت عليه وقالت : واللّه ما هو به ! ولو شئت أن أسميه لسمّيته ! وعائشة ثقة ، وأسباب النزول لا ينبغي أن تؤخذ إلا عن ثقة شاهد التنزيل ، ووقف على الأسباب . ويكون التعبير